قصة قبيلة «بنو السَّراب» بين الجوع والجشع والمجد
قصة قبيلة «بنو السَّراب» بين الجوع والجشع والمجد
في قلب صحراء الجزيرة العربية، قبل بعثة النبي بسنوات طويلة، كانت تعيش قبيلة تُدعى «بنو السَّراب»، سُمّيت بذلك لأنّ ديارها كانت في وادٍ إذا نظرت إليه من بعيد ظننته ماءً وما هو إلا سراب قاحل. كانت القبيلة مشهورة بالفقر وشِدّة الجوع، حتى إنّ أطفالها كانوا يكبرون على رؤية السراب أكثر ممّا يرون الماء، وعلى سماع أنين البطون أكثر ممّا يسمعون أصوات الطيور.
الجوع الذي أعما القلوب
مرّت على بنو السراب سنونٌ عِجاف، انحبس فيها المطر، ويَبِس فيها العشب، ونَفَقت الإبل والماشية، حتى صار الرجل منهم يربط على بطنه حجرًا كي يُخفي قرقرة الجوع، والمرأة تُقسّم التمرة الواحدة بين أطفالها كما لو كانت كنزًا. في تلك السنوات العصيبة، بدأ الطمع يتسرّب إلى القلوب، فالجوع إذا لم يُصاحبه صبر وحكمة، تحوّل إلى وحش يُفسد الفطرة.
اجتمع شيوخ القبيلة ذات ليلةٍ مظلمة حول نارٍ صغيرة بالكاد تُرى، وتحدّث شيخهم الأكبر «جابر بن مالك» بصوتٍ مبحوح:
«يا بني السراب، إنّ الجوع قد أذلّنا، وما عاد في ديارنا زرع ولا ضرع. أمامنا قبائل غنية عامرة بالإبل والغنم والحبوب، وإن لم نغزُهم اليوم، غزونا الموت غدًا».
ساد الصمت، ثم ارتفعت الأصوات تؤيده، إلا شابًّا واحدًا اسمه «عاكف»، كان معروفًا برجاحة العقل وقوّة الساعد، قال: «يا شيخ، نحن عرب، لنا شرف وعهد، وإن كان الجوع قد أخذ من أجسادنا فلن ندعه يأخذ من أرواحنا. الغزو بلا حقّ يجلب عارًا لا يمحوه الزمن».
التفتت إليه العيون بحدّة، ورماه بعض القوم بكلماتٍ قاسية، واتُّهم بالضعف والجبن، لكنّه ظلّ واقفًا، صامدًا في رأيه، قبل أن يُجبَر على الصمت تحت ضغط الجماعة.
ليلة النهب والدم
في فجر اليوم التالي، تحرّكت سيوف بنو السراب ورماحهم باتجاه قبيلةٍ مسالمة تُدعى «بنو ربيعة»، معروفة بالكرم وسقاية الضيف. كان بنو ربيعة منشغلين بحياتهم، لم يتوقعوا غدرًا من قومٍ عرب مثلهم. انقضّ فرسان بنو السراب على مضارب ربيعة كالسيل، ينهبون الإبل، ويحرقون المخازن، ويقتلون من يقف في طريقهم. ارتفعت صيحات النساء، وتعالى بكاء الأطفال، واختلط غبار الخيل برائحة الدخان والدم.
في خضمّ الفوضى، كان «عاكف» يمسك بسيفه لكنه لم يرفعه على طفل ولا امرأة ولا شيخ. اكتفى بالدفاع عن نفسه حين هوجم، وحاول أن يصرخ في قومه: «كفى! لقد أخذتم ما يسدّ الجوع، فلا تقتلوا من لا سلاح له»، لكن صوته ضاع في ضجيج المعركة. ومع غروب الشمس، كانت أرض ربيعة قد امتلأت بالجثث، وخرج بنو السراب محمّلين بالغنائم، يجرّون خلفهم ذيول الخزي وإن لم يشعروا بعد.
شبع البطون، وجوع الضمائر
عاد بنو السراب إلى واديهم، وهم يذبحون الإبل، ويوزعون اللحم، وتعلو الضحكات لأول مرة منذ سنوات، حتى قال بعضهم: «ما أكرم الجوع، فقد فتح لنا بابًا للغنيمة!». ولكن وسط هذا الشبع الجديد، لم يذق «عاكف» طعم الراحة، كان وجه طفل رآه يصرخ بين ألسنة النيران يطارده في كل حلم، وصوت امرأة تستغيث لا يفارق أذنه.
جلس عاكف ليلةً منفردًا على تلّ قريب من مضارب القبيلة، ينظر إلى السماء ويقول في نفسه: «أيّ قوة هذه التي تُبنى على دموع الضعفاء؟ وأي مجد هذا الذي يولد من جوعٍ أعمى وجشع لا يشبع؟». وحين عاد إلى ديار القبيلة، وجد شيخها «جابر بن مالك» يتباهى بما فعلوا أمام الوفود والضيوف، يروي ما حدث كأنّه بطولة، لا جريمة.
لعنة الدم والسنين العجاف
لم تمضِ أعوام كثيرة حتى بدأت لعنة ذلك اليوم الأسود تطارد بني السراب. فقد انتشرت بينهم الأحقاد، واشتعلت النزاعات الداخلية على تقسيم الغنائم، وأصبح كلّ رجل يطمع في نصيب أكبر، حتى لو أراق دم أخيه. ضربهم مرض غريب، أصاب ماشيتهم أولًا فهلكت، ثم انتشر بين صغارهم وضعافهم، فصار الموت زائرًا لا يغادر خيامهم.
في تلك الأثناء، كبرت قبيلة بنو ربيعة من جديد، والتفّت حولها قبائل أخرى رأت في مظلوميتها قضية شرف. لم يسعوا للثأر الأعمى، ولكنهم قرروا مقاطعة بني السراب، لا يبايعونهم، ولا يتعاملون معهم، ولا يزوّجونهم، حتى صار بنو السراب منبوذين في محيطهم، يتجرّعون مرارة العزلة.
بدأ بعض شباب القبيلة يتساءلون: «أهو الجوع ما فعل بنا كل هذا، أم الجشع؟ أم أننا نحن الذين خنّا ما عرف عن العرب من مروءة ونخوة؟». وعندها أدرك الشيخ جابر، بعد فوات الأوان، أنّ قوته التي افتخر بها لم تكن سوى وهم، وأنّ السيوف التي تراق الدم ظلًّا لن تُقيم قبيلةً على المدى البعيد.
صحوة الشاب «عاكف»
في تلك المرحلة الصعبة، برز دور عاكف الذي كان قد اشتدّ عوده، وازداد احترام بعض العقلاء له. دعا رجال القبيلة لاجتماعٍ في ساحة واسعة، وقال لهم:
«يا بني السراب، لقد جرّبتم طريق الجوع والجشع، فماذا حصدتم؟ أكلتم من دم من ظلمتم، فهل شبعتم؟ شربتم من دموع الضعفاء، فهل رويتم؟ إنّ العرب كانوا ـ وما زالوا ـ يفتخرون بالصبر على الجوع ولا يطأطيئون رؤوسهم للبطنة والظلم. نحن لم نهزم الجوع، بل سمحنا له أن يهزم شهامتنا».
ساد صمت طويل، ثم تكلّم شيخ كبير فقد أبناءه في النزاعات الداخلية:
«لقد صدقت يا عاكف. رأيت بأم عيني كيف قادتنا شهوة الغنيمة إلى قتل بعضنا، حتى كدنا نفنى بأيدينا. ماذا تقترح؟».
قال عاكف بثبات: «أقترح أن نترك فخر السيوف إلى فخر الأخلاق، وأن نردّ المظالم ما استطعنا، وأن نعيد للعرب صورتهم الحقيقية: قوّة في الحرب، ولكن عدل في السلم، شدة في الميدان، ولكن كرم مع الضعيف والضيف».
التحول من قبيلةٍ جشعة إلى قبيلةٍ معلّمة
لم يكن الطريق سهلًا، فقد اعترض كثيرون، وقالوا: «كيف نذهب إلى من نهبناهم ونطلب الصفح؟ هذا ذلّ!». لكن عاكف ذكّرهم بأنّ الذلّ الحقيقي هو أن يعيش الإنسان مطموس الوجه بين القبائل، لا يُشار إليه إلا بأصابع الاتهام. وبعد نقاشات طويلة، وافق شيوخ القبيلة على إرسال وفد بقيادة عاكف إلى بنو ربيعة.
حين وصل عاكف ورجاله إلى ديار ربيعة، لم يحملوا دروعًا ولا رماحًا، بل حملوا الهدايا والقليل مما تبقى لديهم من مال وسلاح. وقف عاكف أمام زعيم ربيعة وقال:
«يا بني ربيعة، جئناكم لا فاتحين ولا غزاة، بل تائبين وطالبي صلح. ما فعلناه بكم كان يومًا أسود في تاريخنا، وقد أدّبنا الزمان كما لم تؤدّبنا السيوف. فإن قبلتم العدل، عدنا إخوة، وإن أبيتم، فأنتم أهل حق ونحن نستسلم لقضائكم».
تفاجأ بنو ربيعة بهذا الكلام، فالعرب في الجاهلية وإن عرفوا الحروب، عرفوا أيضًا صيانة العهد والاعتراف بالذنب. وبعد مشاورات بينهم، قال شيخهم:
«يا بني السراب، لو جئتمونا بسيوفكم لوجدتمونا على أهبة الاستعداد، ولكنكم جئتمونا بقلوبكم. نحن قوم نرى في العفو عند المقدرة شرفًا لا يقل عن شرف الثأر. نعفو عنكم، بشرط أن يكون يوم ظلمكم لنا آخر عهدكم بالجشع والنهب».
وافق عاكف وشيوخه، وعادوا إلى ديارهم بصلحٍ لم يتصوّره أحد، وعاهدوا أنفسهم أن يبدّلوا سمعتهم بين العرب من قبيلةٍ جائعة جشعة إلى قبيلةٍ قوية كريمة.
بني السراب يعلّمون العرب معنى القوة
مع مرور السنوات، تحوّل وادي السراب إلى مجلسٍ للعقلاء، يُقصَد من كل قبيلة شابّ مغرور أو شيخ قاسٍ ليتعلّم من تجربة بني السراب. صار عاكف شيخ القبيلة، يروي للشباب قصّة الجوع الذي أعمى بصيرة آبائهم، وكيف أنّ القوة بلا خُلُق تتحوّل إلى لعنة، وأنّ العربي في الجاهلية قبل الإسلام كان يفتخر بأن يجوع ولا يمدّ يده لمالٍ حرام، وأن يصبر على الضيق ولا يطعن من الخلف.
كان يقول لهم:
«يا أبنائي، قد تظنّون أن القوة في كثرة السيوف وكثرة الخيل، ولكنها في الحقيقة في كبح جماح النفس يوم يدعوها الجوع إلى الجشع، ويوم يزيّن لها الشيطان ظلم الضعفاء. العربيّ الحقّ في جاهليته كان يُؤثر الجوع على أن يُذلّ ضيفًا، ويصبر على القحط ولا يطمع في مال جارٍ ضعيف».
انتشرت حكاية بني السراب بين القبائل، وصار الشعراء يضربون بها المثل في التبدّل من الظلم إلى العدل، ومن النهب إلى الكرم، ومن البطش إلى الحكمة. وحتى حين جاء الإسلام فيما بعد، وجد في الجزيرة رجالًا خبروا قيمة الشرف والوفاء، فكان ما لدى بني السراب ومن شابههم من صفات النخوة والكرم أرضًا خصبةً لما جاء به الدين من هداية.
خاتمة القصة
وهكذا، بدأت قصة بني السراب بجوعٍ وجشعٍ ونهبٍ وقتل، وانتهت بقوةٍ وسؤددٍ وتعليم. تعلّموا من الزمن أن الجوع امتحان للنفس، إمّا أن يرفع صاحبه حين يصبر ويتعفّف، أو يُسقطه حين يستسلم للجشع والظلم. وصاروا مثالًا على أنّ العربي في العصر الجاهلي لم يكن وحشًا صحراويًّا بلا قيم، بل كان قادرًا، حتى قبل الإسلام، على أن يختار الشرف على البطنة، والمروءة على الطمع، وأن يجعل من قصته درسًا للأجيال بعده في معنى القوة الحقيقية.
