زهير بن أبي سُلمى شاعر جاهلي
زهير بن أبي سُلمى شاعر جاهلي
المشهد الأول: الميلاد في قلب الصحراء
وُلد زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني في ديار مزينة بنواحي نجد قرب الحاجر، في بيئة قبلية قاسية تُعلّي من شأن الفروسية والشعر. نشأ بين مضارب غطفان وديار بني مُرّة بن عوف الذبيانيين، فتشرّب حياة البادية من تنقّلٍ، ووقوفٍ على الأطلال، وحروبٍ وثاراتٍ لا تكاد تهدأ.
كانت أسرته أسرة شعر؛ فأبوه شاعر، وخاله بَشامة بن الغدير شاعر حكيم كثير المال، وزوج أمّه أوس بن حجر من كبار شعراء المدرسة “المضرية”. في هذا الجوّ شبّ الفتى زهير وهو يسمع القصائد تُقال في المجالس، تُمدح بها القبائل وتُذمّ، وتُسجَّل بها وقائع الحروب والصلح والكرم.
المشهد الثاني: التتلمذ على الحكماء والشعراء
لزم زهير خاله بَشامة بن الغدير، ذلك الشيخ الحكيم المقعد الوفير المال، فحفظ أشعاره وتعلّم منه الرزانة، وحبّ الإصلاح، والنظر في عواقب الأمور. ثم أخذ عن زوج أمه أوس بن حجر طريقة النظم، وبحور الشعر، والحرص على إحكام البيت والقصيدة حتى يكون كل بيت كالجوهرة في مكانها.
لهذا لم يكن زهير من الشعراء المندفعين الذين يكثرون من الشعر كيفما اتفق، بل عُرف بالحوليات، أي أنه ينظم القصيدة في شهر ثم يظلّ عامًا كاملًا يُنقّحها ويهذّبها حتى تستوي على أكمل وجه. هذا الحرص على الصنعة جعل شعره مثالًا في جودة السبك وقوّة المعنى، حتى قُدّم مع امرئ القيس والنابغة على سائر شعراء الجاهلية في طبقة عالية.
المشهد الثالث: الحياة الشخصية وأم أوفى
تزوّج زهير أولًا من امرأة تُدعى ليلى، عُرفت بلقب “أم أوفى”. عاش معها زمنًا، لكن أولادهما لم يعمّروا، فوقع في نفسه حزنٌ دفين، ثم انتهى الأمر إلى طلاقها، وبقي اسمها ماثلًا في قلبه يذكره في صدر معلقته المشهورة عندما يقف على ديارها الدارسة.
ثم تزوّج كبشة بنت عمّار الغطفانية، فأنجبت له كعبًا وبجيرًا (ويُذكر أيضًا ولد ثالث اسمه سالم توفي صغيرًا)، فشبّ كعب وبجير على خُطى أبيهما شاعرَين معروفَين في الإسلام. غير أن كبشة غارت من ذكره لأم أوفى، وآذته، فطلّقها ثم ندم وقال فيها شعرًا يصف ندمه وأسفه.
المشهد الرابع: الشاعر الحكيم وسيّد القبيلة
مع الزمن صار زهير سيّدًا في قومه، كثير المال، حليمًا معروفًا بالورع حتى في الجاهلية، يكره الظلم، ويتوقّى مواضع الشبهة. لم يكن من فرسان الدم والسيوف، بل من فرسان الكلمة والرأي، يرجع إليه الناس في المشورة، ويحتكمون إلى حكمه لما عُرف به من عقل واتزان.
في مجتمع تعصف به الحروب مثل داحس والغبراء، كان صوته يميل إلى السِّلم، يمدح من يسعى في الإصلاح، ويحذّر من الغدر والخذلان، ويحكم على أخلاق الرجال بميزان دقيق من التجربة والمعرفة. ولهذا لُقّب بـ“حكيم الشعراء”، لأن شعره جمع بين جمال الأسلوب وعمق الحكمة وكثرة الأمثال الجارية على الألسنة.
المشهد الخامس: حرب داحس والغبراء وظلالها
اندلعت حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان بسبب سباق خيل تحول إلى سلسلة من الغدر والثأر امتدّت سنين طويلة. عاش زهير تلك الحرب قريبًا من طرفَيها؛ فبنو مُرّة وبنو عبس وغطفان من محيطه القَبلي، فرأى القتلى، والديار الخراب، والأموال الضائعة في لجّة الدم.
حين سعى الحُكّام الكرماء هَرِم بن سنان والحارث بن عوف إلى الإصلاح، وبذلوا الديات الهائلة حتى يطفئوا نار الحرب، وجد زهير في فعلهم نموذجًا للفضيلة التي يجب أن تُمدح وترسَّخ في العقول. فمدحهما بقصيدته العظيمة – المعلقة – فجعلها وثيقة أخلاقية في الثناء على من يحقن الدماء ويصلح بين العشائر.
المشهد السادس: زهير وهرِم بن سنان
انقطع زهير بعد الصلح لهرم بن سنان، يمدحه بقصائد كثيرة في كرمه وإصلاحه، حتى بلغ من جود هرم أنه أقسم ألا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبدًا أو فرسًا أو عطية جسيمة.
استحيا زهير من كثرة ما يناله، فصار إذا دخل مجلسًا وهرم فيه قال: “عموا صباحًا إلا هرَمًا، وخيرَكم استثنيت”، يمزح تلطّفًا ويُشعر هرمًا بفضلِه عليه وعلى القوم. هكذا يظهر زهير في هذا المشهد رجلاً يعرف للفضلاء فضلهم، ولكنه في الوقت نفسه يترفّع عن أن يكون مادحًا طمّاعًا؛ فمدحه لهرم كان تقديرًا للسلام أكثر من كونه طمعًا في المال.
المشهد السابع: معلقته ومشاهدها
معلقة زهير من أشهر المعلقات، وعدد أبياتها في أغلب الروايات نحو اثنين وستين بيتًا، نُسجت في ثلاثة مشاهد كبرى: الأطلال، والغزل العفيف، ثم المدح والحكمة.
مشهد الوقوف على الديار
يفتتحها بذكر “أم أوفى” والوقوف على آثار دارها بحومانة الدراج فالمتثلّم، متسائلًا: هل من خبر أو سلام من تلك الديار التي درست؟ يصف الرمال، والآثار البالية، وما كان فيها من حياةٍ ومرحٍ ثم اندثر، على عادة الجاهليين في تهيئة نفس السامع قبل الدخول إلى أغراض القصيدة.مشهد وصف الرحلة والناقة
ينتقل لوصف ناقته التي تحمل رحلته عبر الفلاة، يصف سرعتها وقوتها وتحمّلها الشدائد، وفي هذا الوصف تظهر دقته في رسم صورة البادية: الأودية، والرمال، والجبال، والليل والنهار.مشهد المدح والحكمة
يختم بالمدح لِهرم بن سنان والحارث بن عوف، فيخلّد صنيعهما في العفو والصلح، ثم ينساب إلى الحكم؛ يحذّر من الظلم والغدر، ويقرّر أن من يعمل سوءًا يلقَه، وأن المال لا يدوم، وأن مكارم الأخلاق هي رأس مال الرجل.
من أشهر أبيات حكمته في المعلقة قوله عن طول العمر والتجربة (يُستشهد به مختصرًا):
وفي بيت آخر من حكمه المشهورة:
هاتان العينتان مثالان على نظرته العميقة إلى الناس والحياة، وكيف أن الطبائع لا تستطيع التخفي طويلًا.
المشهد الثامن: ملامح شخصيته وأسلوبه
يمكن تلخيص ملامح شخصية زهير في نقاط واضحة:
عقلية إصلاحية: يكره الحرب، ويُعلي شأن من يدفع الدية ويصلح.
حِلم وورع: يوصف بأنه كان حليمًا، ورعًا، يحتاط في كلامه، فلا يهجو إلا بحق، ولا يمدح إلا من يستحق.
شاعر قاضٍ: يُشبَّه بأنه “قاضٍ” بشعره، يحكم على الأخلاق والأحداث، ويصدر أحكامًا أخلاقية في صورة أبيات خالدة.
دقة الصنعة: قصائده حوليات، يهذّبها عامًا، فقلّت الهفوة في شعره، وقوي سبكه، وصار مثلاً في الجودة.
أسلوبه يميل إلى السهولة الممتنعة: ألفاظ جزلة فصيحة، لكن غير غريبة الإغراب، مع تراكيب واضحة، ومعانٍ عقلية أكثر من كونها عاطفية صرف. لذلك أحبّه النقاد الذين يبحثون عن تمام المعنى وحكمة الفكرة، كما أحبّه من بعدهم المستشرقون والباحثون بوصفه نموذجًا للشعر الجاهلي المتزن.
المشهد التاسع: أمثلة مختصرة من شعره (نماذج)
هذه نماذج قصيرة ومختصرة – غير كاملة – تُمثّل روح شعره لا نصّه الحرفي الطويل:
في ذم الظلم والعدوان (معنى مأخوذ من حكمه):
من يصنعِ الشرَّ يُجزَ به، ومن يزرعِ السوءَ يحصدْه في نفسه وماله.
هذا المعنى يتكرر في أبيات له تقرر أن الجزاء من جنس العمل، وأن الأيام تدور على الظالم.
في الثناء على السِّلم والصلح:
من يسعَ في الإصلاح بين قومه، ويغرم من ماله ما يحقن الدماء، فهو عند زهير أكرم وأفضل من الفارس الذي يطعن ويقتل.
في وصف أخلاق الرجال:
يقرر أن الكريم من يحفظ جيرانه وأصحابه، وأن اللئيم من يخون العهد، وأن الأخلاق تظهر وقت الشدة لا في الرخاء.
هذه النماذج الموضوعية تبيّن طبيعة “الحكمة” عنده: ليست حكمًا مجردة، بل مربوطة بحياة القبيلة، والصلح، والعلاقات بين الناس.
المشهد العاشر: الشيخ الكبير ووفاته
عُمِّر زهير عمرًا طويلًا، حتى قيل إن له نحو سبعةٍ وتسعين عامًا، ويؤيّد ذلك بيته في المعلقة الذي يشكو فيه من بلوغ الثمانين وملل تكاليف الحياة. تُرجّح المصادر أن وفاته كانت قبيل الإسلام بقليل، حوالي سنة 627 للميلاد تقريبًا، أي أنه من الشعراء الجاهليين الذين لم يدركوا عصر النبوة إدراكًا واضحًا.
قضى حياته “رَزينًا حكيما داعيًا إلى الخير والصلاح، منصرفًا إلى الحقّ بكل جوارحه، كارِهًا للحرب والمناوشات، محبًّا للترسّن عن الأحقاد”، كما تصفه بعض الدراسات. بهذا يكتمل مشهد الرجل الذي لم يكن مجرّد شاعر يمدح بذخًا، بل صاحب مشروع أخلاقي يريد إصلاح بيئته القبلية بلسان الشعر.
جدول موجز لحياته
| العنصر | المعلومات المختصرة عن زهير بن أبي سلمى |
|---|---|
| النسب والقبيلة | زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني من قبيلة مزينة. |
| الميلاد | في الحاجر بنجد قرب ديار غطفان، نحو 520–530 م تقريبًا. |
| الأسرة الشعرية | أبوه شاعر، خاله بَشامة بن الغدير شاعر حكيم، زوج أمه أوس بن حجر شاعر كبير. |
| الألقاب | حكيم الشعراء، أحد أصحاب المعلقات، من الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية. |
| الحياة الشخصية | تزوّج أم أوفى ثم طلّقها، وتزوّج كبشة بنت عمّار، وله منها كعب وبجير. |
| أبرز موضوعاته | الحكمة، المدح الإصلاحي، ذم الحرب والظلم، وصف الديار والرحلة. |
| علاقته بهرم | مدّاحه وصاحبُه في الإصلاح بعد حرب داحس والغبراء، أغدق عليه هَرِم العطايا. |
| سمة شعره | الحوليات، تهذيب القصائد عامًا كاملًا، أسلوب جزيل واضح، حكم وأمثال خالدة. |
| وفاته | نحو سنة 627 م تقريبًا، عن نحو 97 عامًا، قبل الإسلام بقلي |
